Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافةوفن

الروايةُ الفلسطينيةُ تُجسِّدُ واقعًا أليمًا

كُتَّابٌ وروائيونَ يعيشونَ أزماتَ الحصارِ ومنعِ السفرِ

 

السعادة

 

تظلُّ الروايةُ ظاهرةً مثيرةً للجَدلِ، لا على مستوى البناءِ الحداثي الذي تَصبو إليه، من خلالِ أعمالٍ رائدةٍ وحَسْب؛ بل على مستوى المَضامينِ أيضًا، التي تؤلّفُ بينَ بُنيانِها، والقضايا الحاسمةِ والمصيريةِ، التي تتشكّلُ من داخلِها، فإنْ كانت الغايةُ التي تَطمحُ إليها هي خَلْخلةُ واقعٍ مَوبوءٍ، ونَفضُ الغبارِ عن مصيرٍ أو انتماءٍ؛ فإنها، بذلكَ تشغلُ بالَ الفكرِ، وتؤرّقُ الواقعَ أيضًا، بلْ تذهبُ إلى حدودِ أنْ تُلامسَ الوجدانَ الإنسانيّ، مادامتْ المعاناةُ قضيةً شاملةً للوجودِ كَكُلٍّ، بما هي _ أي المعاناةُ_ خيطٌ ناظِمٌ، على امتدادِ التاريخِ الثقافيّ والفكريّ، لِكُلِّ التجاربِ الإنسانيةِ.

الحديثُ عن الروايةِ، كَتجربةٍ إبداعيةِ؛ نُطِلُّ من خلالِها على رمزيةِ الوجودِ في أسمَى مَعانيهِ، فإذا ما انفتحتْ الروايةُ على تجربةِ الآخَرِ؛ من خلالِ نَقلِها إلى لغاتٍ أخرى بفِعلِ الترجماتِ، التي غالبًا ما تَتفنَّنُ في صيدِ وانتقاءِ مفرداتِها، وعباراتِها السابحةِ في ماءِ الحكايةِ. فمِن بينِ الرواياتِ العربيةِ التي تَتقلّبُ في وِجدانِنا و تُقُضُّ مضاجِعَنا، بلْ تُنغِّصُ الضمائرَ الحيَّةَ، وتَجعلُنا أمامَ شلّالٍ من الأضواءِ الكاشفةِ للذَّاتِ وللآخَرينَ، الروايةُ الفلسطينيةُ .

فالروايةُ الفلسطينيةُ وكُتّابُها يُعانونَ من منْعِ السفرِ، والحصارِ، وعدمِ المشارَكةِ في مَعارضَ للكِتابِ والروائيينَ الدوليينَ .

الكاتبُ الروائيُّ “يُسري الغول”، لاجئٌ من مواليدِ مخيّمِ الشاطئِ في غزةَ عامَ (1980)، نالَ جوائزَ مَحلّيةً ودوليةً، أبرزُها جائزةُ فلسطينَ للقصةِ القصيرةِ عامَ (2002)، وجائزةُ “عماد قطري” للقصّةِ القصيرةِ عامَ (2013)، وهو عضوٌ في لجانِ تحكيمٍ ثقافيةٍ مَحليّةٍ وخارجيةٍ، ومبادراتٍ هَدفُها إحياءُ الحالةِ الثقافيةِ في غزةَ، والتغلّبُ على بعضِ معوّقاتِ الحصارِ، فأسّسَ “تجَمُّعَ قُرطبةَ الثقافي”، وأَطلقَ مبادرةَ “شغف” الثقافيةَ لِتَبَنّي المواهبِ الشابّةِ، وتدريبِها على الكتابةِ الإبداعيةِ.

يؤمِنُ الكاتبُ “يُسري الغول” بأنّ طقوسَ الكتابةِ في غزةَ تختلفُ عن باقي العالمِ؛ بسببِ الأزماتِ المعقّدةِ الناجمةِ عن الحصارِ والحروبِ.

يَعُدُّ الكاتبُ الروائيُّ “الغولُ” أنّ السفرَ بوابةُ التواصلِ مع الآخَرِ؛ خارجَ حدودِ غزةَ الصغيرةِ والمحاصَرةِ؛ ففي غزةَ الكثيرُ من المُبدِعينَ المُغيَّبينَ عن المَشهدِ الثقافي العربي والعالمي؛ بسببِ الحصارِ والقيودِ المفروضةِ على حركةِ السفرِ والتنقُلِ، وبسببِ هذه القيودِ لم يتمكَّنْ من السفرِ والمشارَكةِ في “برنامجِ الكتابِ العالمي” في الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ، ومَعارضَ للكتابِ في عواصمَ عربيةٍ.

ليس السفرُ خارجَ فلسطينَ ما يُعانيهِ “الغول” وأمثالُه من الرِّوائيينَ والمُبدِعينَ في غزةَ؛ بلْ التنقُلُ أيضًا بينَ غزةَ والضفةِ الغربيةِ، ويقولُ الروائي :” إنّ محاولاتٍ حثيثةً من وزارةِ الثقافةِ الفلسطينيةِ باءتْ بالفشلِ؛ لتأمينِ حصولِه على تصريحٍ من سلطاتِ الاحتلالِ؛ يُتيحُ له الوصولَ إلى “رام الله” للمُشارَكةِ في فعالياتِ مَعرِضِ الكتابِ، ومُلتقى القصةِ القصيرةِ، الشهرَ الماضي.

يضيفُ :”منذُ آخِرِ رحلةِ سفرٍ إلى “أذرَبيجان”، حيثُ شاركَ في مؤتمرِ “حوارِ الثقافاتِ والحضاراتِ” عامَ (2013)، يعاني الكاتبُ والروائيُّ الفلسطينيّ “يُسري الغول” حصارًا داخلَ الحصارِ المفروضِ على قطاعِ غزة.

يقولُ :”ليس سهلًا على المُبدِعِ أنْ يعيشَ مِثلَ هذا الحصارِ الجائرِ الذي يجعلُه يواجِهُ عزلةً حادّةً تَفصِلُه عن العالمِ الخارجي، وتَمنعُه من مواكبةِ الأنشطةِ الأدبيةِ والثقافيةِ، وبينَما “الغولُ” مُحاصَرٌ في غزةَ للعامِ التاسعِ على التوالي؛ فإنّ كُتُبَه من رواياتٍ ومجموعاتٍ قصصيةٍ تَجوبُ عواصمَ عربيةً وغربيةً، يضيفُ بكلماتٍ ممزوجةٍ بالفخرِ والحسرةِ “أنا مُقيَّدٌ هنا؛ بينَما كُتبي تسافرُ في أرجاءِ الكَونِ، ولا يكادُ يخلو مَعرِضٌ من مؤلَّفاتي”.

ومن أعمالِ الكاتبِ الروائيّ التي رأتْ النُّورَ؛ روايتانِ و(6) مجموعاتٍ قصصيةٍ، وقد تُرجِمُ الكثيرُ من أعمالِه إلى لغاتٍ عِدّة، آخِرُها اللغةُ الهنديةُ، ونُشرتْ له مؤلفاتٌ في مجلاتٍ أدبيةٍ مرموقةٍ في أنحاءِ العالمِ.

الظروفُ الصعبةُ التي يعيشُها المجتمعُ الغزيُّ؛ تمثّلُ واقعًا مريرًا يُدَمّرُ الكاتبَ بسببِ هذا الواقعِ، فإنّ أعمالاً إبداعيةً تبقَى مغمورةً وحبيسةَ الأدراجِ دُونَ أنْ تتوفّرَ لها الفرصةُ للخروجِ إلى النورِ؛ لكنّ البعضَ قفزَ عن الحواجزِ التي خلّفَها الحصارُ؛ وتَجاوزَ المعوّقاتِ، إيمانًا بأنّ “الحصارَ هو حصارُ العقلِ، وأنَّ الفكرَ لا يمكنُ حصارُه”_ حسبَ الغولِ_.

يتابعُ الغولُ: “كانت التكنولوجيا الحديثةُ من وسائلِ اتصالٍ، ومنصّاتِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي؛ سبيلًا لمُبدعي غزةَ لتَجاوزِ معوّقاتِ الحصارِ، وقيودِ الحركةِ والتنَقُلِ، من أجلِ المحافظةِ _ولَو بالحدِّ الأدنَى_ على التواصلِ مع العالمِ الخارجي”.


في حين يَعُدُّ اللجوءَ إلى هذه الوسائلِ؛ هو تعبيرٌ عن إرادةِ المُبدعِ الفلسطينيّ؛ كي لا يَستَسلِمَ للواقعِ؛ لكنه لا يُغني عن حقِّ أيِّ إنسانٍ بالسفرِ، والمُبدِعُ بحاجةٍ أكبرَ لهذا الحقِّ، فمُعايَنةُ الأشياءِ والأماكنِ، ولَمْسُها واكتشافُها عن قربٍ؛ تَمنحُ العاملينَ في حقولِ الإبداعِ المختلفةِ مزيدًا من القدرةِ على إنتاجٍ مُتميّزٍ.

ولذلكَ، فإنّ طقوسَ الكتابةِ لدَى المُبدعينَ في غزةَ؛ تختلفُ عن أقرانِهم في العالمِ، ويقولُ الغولُ: “الكاتبُ في غزةَ يعاني وَيلاتٍ مُرَكَّبةً ناجمةً عن الحصارِ الكبيرِ، فهو يُبدِعُ في ظِلِّ أزماتٍ تتعلّقُ بِنَقصِ الكهرباءِ، والفقرِ، وخصوماتِ الرواتبِ، وضغوطٍ نفسيةٍ؛ جرّاءَ الحروبِ المتكرّرةِ، وهذه الأزماتُ تؤثّرُ بالنهايةِ على أساليبِ الكتابةِ، وما يَنتجُ في غزةَ من أعمالٍ أدبيةٍ وإبداعيةٍ .

بقعةٌ صغيرةٌ 

يتّفِقُ صاحبُ روايةِ “لغةُ آدمَ” الدكتورُ “حسن القطراوي” مع “الغول” فيما ذهبَ إليهِ من تأثيرِ الحصارِ وقيودِ السفرِ على المَشهدِ الثقافي في غزةَ، فيقولُ :إنّ المُبدِعينَ من روائيّينَ، وشُعراءَ، وكتّابًا، ومسرحيَّينَ، وغيرِهم.. يتأثّرونَ بالعواملِ السياسيةِ والاقتصاديةِ المعقّدةِ في هذه البقعةِ الصغيرةِ من العالم”.

ولا تقِفُ حدودُ التأثُرِ السلبيّ في رأيِ “القطراوي” عندَ حدِّ صعوبةِ السفرِ والتنقُلِ على مستوى الأفرادِ؛ بلْ تتَعدّاها إلى المُنتَجِ الأدبي نفسِه، فالكتابُ محاصَرٌ أيضًا، ويعيشُ ويلاتِ الحصارِ مع كاتبِه؛ حيثُ الشحنُ من غزةَ وإليها يَمُرُّ بظروفٍ صعبةٍ ومعقّدةٍ بسببِ قيودِ الاحتلالِ.

يقولُ : “ليس سهلًا حرمانُ المُبدِعِ من الاحتكاكِ والتواصلِ مع العالمِ الخارجي، والمشارَكةِ في فعالياتٍ ثقافيةٍ، فهذا بمنزِلةِ كَتمٍ لأنفاسِ المُبدِعِ؛ ويحدُّ من قدرتِه على التفكيرِ والإبداعِ”، فلم يكُنْ الحصارُ شيئًا عاديًّا في حياةِ الكاتبِ الفلسطيني، فتَأثيرُه بلغَ مبلغًا عظيمًا، فالكاتبُ معزولٌ، والكِتابُ حبيسُ المكتباتِ؛ ويعاني قلّةَ القُرّاءِ في ظِلِّ الأزمةِ الاقتصاديةِ”.


أزماتٌ معقّدةٌ 

في حديثٍ مع الأمينِ العام المُساعدِ للاتحادِ العام للكُتابِ والأدباءِ الفلسطينيين “عبد الله تايه” عن أوضاعِ المُبدعينَ في غزةَ، خاصةً الشبابَ، بأنها “بائسةٌ”، فيقولُ :”كثيرٌ من المُبدعينَ الشبابِ لا مصدرَ رزقٍ لهم؛ وذلكَ يُعَرقِلُ مسيرتَهم الإبداعيةَ، فكثيرًا من المخطوطاتِ تبقَى “حبيسةَ الأدراجِ” لِعَدمِ وجودِ جهاتٍ رسميةٍ أو أهليةٍ؛ تساعدُ المُبدعينَ الشبابَ على نشرِ إنتاجِهم الأدبي والثقافي”.

يضيفُ:”إنّ المُبدعينَ في غزةَ يواجِهونَ “أزماتٍ مُرَكَّبةً ومعقّدةً” ؛جراءَ الضغوطِ والقيودِ التي تحدُّ من قدرتِهم على الحركةِ والتنقلِ، وتمنعُ “الولادةَ الطبيعيةَ” لِما يُنتَجُ من كتبٍ ورواياتٍ وأعمالٍ أدبيةٍ ومسرحيةٍ، وهي مؤثراتٌ تُضفي “حالةً من القَسوةِ على المَشهدِ الثقافي”.

وتَبقَى الروايةُ الفلسطينيةُ أكثرَ مصداقيةً وعقلانيةً؛ فالشعبُ الفلسطينيُّ لم يُقَصِّرْ في نشرِ روايتِه، والدفاعِ عنها وعن أرضِ فلسطينَ، فلم يترَجَّلْ الشعبُ عن صَهوَةِ المقاومةِ والمُجاهدةِ، إلّا أنّ الروايةَ وحدَها لا تكفي، وجهودَ الشعبِ الفلسطينيّ لوَحدِها لا تكفي لوصولِ الروايةِ الفلسطينيةِ التي تُجسّدُ الواقعَ الفلسطينيّ بكُلِّ فِئاتِه، فالحصارُ طالَ الروايةَ والروائيينَ والكُتّابَ؛ وأثَّرَ عليهِم بشكلٍ سلبيٍّ، وحاصرَهم في سِجنٍ يَصعُبُ الخروجُ منه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى