Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

في معركتِنا معَ السرطانِ نبكي ليلاً ثُم نصحو لنصنعَ السعادةَ

يَعزُّ على الأمهاتِ حاجاتِ أبنائهِنَّ مَهما صغُرتْ، ومَهما كانت بسيطةً  في نظرِهنَّ، ولا غرابةَ أنْ تحومَ في منزلِها ذهابًا وإيابًا؛ وهي تَجمعُ قِطعًا بلاستكيةً لا تتجاوزُ حجمَ عُقلة الإصبعِ؛ فقط لأنها تدركُ أنها جزءٌ من لعبةِ صغيرِها، وقد تفسدُ اللعبةُ بدونِها؛ لذلكَ تَجمعُها بعنايةٍ واهتمامٍ؛ وكأنَّها تُخَبِّئ كَنزًا ثمينًا في أحدِ ثنايا قلبِها، حتى عندما يعودُ الصغيرُ ليبحثَ عن هذه القطعِ الصغيرةِ؛ تبتسمُ ابتسامةَ المُحبِّ؛ وتُخبِرُه أنها وُضعتْ هناكَ؛ حيثُ تضعُ أشياءَها المُهمّةَ.

هي كذلكَ قلوبُ الأمهاتِ؛ تحبُّ لصغارِها الدنيا كاملةً؛ ولا تحبُّ أنْ يفقدَ صغارُها شيئًا؛ حتى وإنْ كان لعبةً صغيرةً قد تُنغِّصُ عليهم لحظةً واحدةً، هي وحدَها التي تدركُ الفقدَ ولوعتَه، هي وحدَها التي تخافُ أنْ يَمُرَّ الهواءُ باردًا على وجْنةِ صغارِها فيشعرونَ بالبردِ، هي وحدَها التي تحِبُّهم كاملينَ بكلِّ تفاصيلِهم، وسلوكِهم، وثغراتِهم، وتجاوزاتِهم، وأخطائِهم، دونَ مقابلٍ، هي وحدَها التي يَصدُقُ فيها المَثلُ: “إنْ ماتت أمُّكَ وأبوكَ ماتَ كلُّ الِّلي بحِبُّوك”. 

في مستشفى الرنتيسي للدمِ والأورامِ قلوبُ الأُمهاتِ مُتعَبةٌ؛ ليس من صدمةِ المرضِ وحدَه_ فإنّ اللهَ يضعُ الصبرَ على قلوبِهنَّ_ وإنما لأنّ في مرحلةِ العلاجِ يفقدُ الصغارُ كثيرًا من أشيائهم بفِعلِ المرضِ والعلاجِ، أصعبُها أنْ يفقدَ الطفلُ شعرَه ومزاجَه وضحكتَه.

عندما بدأ “ياسين” بفقدانِ شَعرِه؛ شعرتُ أنّ روحي تسقطُ مع كلِّ شعرةٍ ألمسُها على وجهِ أو فوقَ وِسادتِه، وقد بكيتُ حينَها أيامًا طوالاً بكاءً مُتعِبًا؛ كنتُ أشعرُ أنّ قلبي يتوقفُ مرّاتٍ عديدةٍ، وقد شعرتُ أنَّ صدمتي بفقدانِ شَعرِ “ياسين” كانت أكبرَ من صدمتي بابتلائهِ بالمرضِ؛ حينَها أدركتُ أنّ الأبناءَ وحاجاتِهم في قلوبِ الأمهاتِ مُهجاتُ القلوبِ.

قبلَ أيامٍ قليلةٍ سمعتُ صوتَ بكاءٍ “هستيري” من إحدى الأمهاتِ في  الغرفةِ المجاورةِ؛ صوتُ البكاءِ العالي دفعَني للدخولِ إلى الغرفةِ دونَ استئذانٍ؛ فوجدْتُ إحدى الأمهاتِ تُمسِكُ مقصًّا تَقصُّ فيه خصلاتِ شعراتِ ابنتِها التي بدأتْ تتساقطُ بفعلِ العلاجِ في لحظةِ بكاءٍ هستيريٍّ منها ومن طفلتِها التي تعشقُ شعرَها، احتضنْتُها فانهارتْ في بكاءٍ شديدٍ وكلماتٍ تمزّقُ القلوبَ، نِمنا ليلتَها في قسمِ “اثنين” ودموعُنا على الخدودِ أمهاتٌ وممرضاتٌ وعاملونَ،  لكنْ مع نورِ الصباحِ الأولِ كُنا أمهاتٍ قوياتٍ مبادِراتٍ لِصُنعِ أيامٍ جميلةٍ لِمَرضانا.

الحقيقةُ أنَّ سقوطَ الشعرِ في علاجِ السرطانِ أمرٌ مؤلِمٌ للغايةِ؛ بإجماعِ الأمهاتِ والآباءِ والإخوةِ، والحقيقةُ الأكثرُ إيلامًا أنّ الأمهاتِ عليهِنَّ أنْ يُشاهِدْنَ هذا الألمَ بأعيُنِهنَّ؛ ثُم يُحسِنَّ التصرُّفَ، ويُلَملِمنَ الحزنَ في قيعانِ قلوبِهنَّ؛ ثُم يَصحَوُنَّ صباحًا لمواجهةِ بقيةِ متاعبِ الحياةِ والمرضِ.

في معاركِ الحياةِ تبذلُ الأمهاتُ _على وجهِ التحديدِ_ كُلَّ جهدِها وطاقتِها لتكونَ أُمَّا لا يشوبُها ضعفٌ أوِ اهتزازٌ، فقط عاشرتُ في الأيامِ الأخيرةِ عن قُربٍ عشراتِ الأمهاتِ اللواتي نَهشَهُنَّ الوَجعُ و الفقدُ ومُنَغِّصاتُ الحياةِ المختلفةُ، وسوءُ معاملةِ الرجالِ معهُنَّ، فقد قابلتُ المُعنَّفةَ ، والمعوَزةَ ، والمُهملةَ والمُهمّشةَ ؛ ثُم التي طُلقتْ أثناءَ مرضِها أو مرضِ أحدِ أبنائها، وعلى الرغمِ من ذلكَ؛ فإنهُنَّ نساءٌ مِعطاءاتٌ قادراتٌ قوياتٌ يُسنِدنَ فِلذاتِ أكبادِهِنَّ بكُلِّ قوةٍ ، يُمارِسْنَ كلَّ سُبلِ الحياةِ من أجلِ أنْ يُخفِّفْنَ عن صغارِهِنَّ المرضَى أوجاعَهُنَّ ، يطبعنَ قُبلاتِ الصباحِ والمساءِ بكُلِّ حُبٍّ وشغفٍ؛ وكأنَّهُنَّ قادماتٌ من وَسَعِ الحياةِ الكبيرِ، فلا تكادُ تَلمسُ منهُنَّ أيَّ وَجَلٍ، أو تأنٍّ في صنعِ السعادةِ، وكأنهُنَّ لم يُخلَقنَ إلا لِعيشِ السعادةِ؛ بينما الحقيقةُ المُرّةُ أنّ أرواحَهُنَّ غائبةٌ في سجونِ التيهِ التي صنعتْها الظروفُ وذُكورةُ المجتمعِ

الحقيقةُ إنّ غوالي القلبِ المَرضى والأصِحّاءَ لا يجبُ أنْ يَفقدوا شيئًا؛ لا شعرًا ولا مزاجًا ولا ضحكةً … لا يجبُ أنْ يَبكونَ هذا الفقدانَ … هذا البكاءُ يَحرِقُ قلوبَ الأمهاتِ أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخَرَ تَعرفونَه…

الَّلهُمَّ هَوِّنْ ثُم هَوِّنْ … وطَبطِبْ يا اللهُ على قلوبِنا من نِعمتِكَ وفضلِكَ، إنكَ صاحبُ الفضلِ العظيمِ …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى