Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

مرأتي

مرآة الناجين

زرتُ صديقة ولمّا تبرد حرارة الصيف، والحرب معاً، ولمّا تختفِ رائحة البارود من نصف منزلها المتبقي بعد القصف، كنت أجول بعيني في المكان بعد أن اطمأننت إلى سلامة البشر، وكانت تطمئنني على ما تبقى من الحجارة، وتنعى الجزء الذي اختفى من مكانه فجأة كأن ثقباً أسود ابتلعه فجأة بكل ما فيه! كانت حزينة حزناً فهمتُه رغم كونه مستغرباً إذ إنه لا يستوي الحزن على الأماكن حزناً على أرواح مضت، المهم أن جولة تفقّد الأضرار انتهت في غرفة سليمة، وعلى حائطها عُلّقت مرآة مغبرّة، وقفت أمامها -وأنا المولعة بالمرايا- فابتسمت صديقتي وكأنها تعطف كلامها على ما سبق، وأخبرتني أن المرآة قد خرجت من تحت الأنقاض سليمة دون كسر أو حتى خدش، وكل ما اكتسبته هو هذا الغبار الذي علق على سطحها.. فطال وقوفي مع اندهاش وأنا أتأمل ملامحي المغبرة على سطح المرآة، فكرّت كيف لأكثر الأشياء هشاشة أن تنجو من أخطر منعطفات التحطم، ربما لأنها صادقة كحقيقة صورنا التي تعكسها دون تزييف أو رياء، وهي وحدها التي تعرف كل الوجوه، قبل أن تتخفى خلف التصنع والرتوش!

 

انطلاقة

كل عام تقفز إلى ذهني ذات الفكرة، وينتابني ذات الشعور، كل ذكرى لانطلاقة حركةٍ شعبية جعلت مقاومة الاحتلال مبدأها، تدور عيناي في وجوه نساء الصفوف الأولى، وقد تضاعفت، بعد أن كانت عدداً محدوداً، وتنوعت وتعددت، بعد أن كان طابعها مميزاً محصوراً، وتوسعت لتشمل فتيات في عمر الزهور، لم يتجاوزن الثلاثين، أو تجاوزنها بقليل، بعد أن شملت سيدات من حقبة زمنية معينة، وفي أعمار متقدمة.

كل عام تتمدد رقعة الرموز، وتتسع خريطة زوجات الشهداء، كما اتسعت خريطة العمل المقاوم فشملت أزواجهن، الذين تقلدوا مواقع مفصلية في العمل المقاوم بعد تطوره المتسارع والمخيف، ثم لم يُعرَفوا أو يسمع بهم أحد إلا بعد اغتيالهم.

كل عام تطلع علينا وجوه نضرة، رغم جفاف الواقع، وأكف خضراء، رغم يُبس العالم المقيت، لتؤكد أن بذرة الحب والسلام منبتها باطن الأرض، وكلما اشتد البرد والظلام، تسارع الجذر في النموّ، وتفتّقتِ الحياة.

أنا، حرية

لا تكاد تتصفح أحد واقع التواصل، حتى تقفز في وجهك دعوات الحرية الشخصية، ورسائل الاعتداد بالنفس وحبها غير المشروط، الحقيقة أن موجة احترام الحرية الشخصية، ومراعاة حدود الخصوصية، شيء جميل، وقيمة تقبل المرء نفسه على علاتها، شيء جميل أيضًا، لكن هذه الموجة قد طغت حتى أغرقتنا بمفهوم الضدّ الناتج عن زيادة الشيء عن حدّه!

لقد أصبح الخروج عن قواعد دينية ثابتة، حرية شخصية، والتمرد على قيم مجتمعية معتبرة خصوصية لا يجب التدخل فيها، وغدت الرعونة، والجهل صفات تجب أن تُتَقبّل وتُحَبّ، بل ويُعتَدّ بها، وتُمدَح، ما ملأ الفضاء حولنا بالأغبياء المغرورين، والنصيين السطحيين، الذين يظنون أنفسهم أعلم أهل الأرض!

والحقيقة أنه في هذا العصر الذي يختلط فيه الواقع بالافتراض، يصعب تعميم قاعدة -نصيحة كانت أو دعوة أو تجربة- على الجميع، فكل إنسان كون مستقلّ، لا ينبغي استنساخ شيء من غيره له، أو منه لغيره.

وهكذا، ستجد من تُنتهَك خصوصيتهم، وتُقَيّد حريتهم، ويفقدون الحب والثقة بأنفسهم، لا تصلهم هذه الدعوات أو لا يتمكنون من تطبيقها، بينما يتلقفها من ليسوا بحاجة لها أبداً، إلا كغطاء لاتباع أهوائهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى